عثمان بن جني ( ابن جني )
47
الخصائص
صوت نشيش اللّحم عند القلاء " 1 " اطّرد جميع قوافيها على جرّ مواضعها إلا ( بيتا واحدا وهو ) قوله : * كأنها لما رآها الرّآء * فإنه مرفوع الموضع . وفيه مع ذلك سرّ لطيف يرجعه إلى حكم المجرور بالتأويل . وذلك أنّ ( لمّا ) مضافة إلى قوله : رآها الرّآء ، والفعل لذلك مجرور الموضع بإضافة الظرف الذي هو ( لمّا ) إليه ؛ كما أن قول اللّه تعالى : إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [ النصر : 1 ] الفعل الذي هو ( جاء ) في موضع جرّ بإضافة الظرف الذي هو ( إذا ) إليه . وإذا كان كذلك ، وكان صاحب الجملة التي هي الفعل والفاعل إنما هو الفاعل ، وإنما جيء بالفعل له ومن أجله ، وكان أشرف جزءيها وأنبههما صارت الإضافة ( كأنها ) إليه ؛ فكأنّ الفاعل لذلك في موضع جرّ ، لا سيّما وأنت لو لخّصت الإضافة هنا وشرحتها لكان تقديرها : كأنها وقت رؤية الرّآء لها . ( فالرّآء ) إذا مع الشرح مجرور لا محالة . نعم ، وقد ثبت أن الفعل مع الفاعل في كثير من الأحكام والأماكن كالشئ الواحد . وإذا كان الفعل مجرور الموضع ، والفاعل معه كالجزء منه ، دخل الفاعل منه في اعتقاد تلخيصه مجرورا في اللفظ موضعه ؛ كما أن النون من إذن لمّا كانت بعض حرف جرى عليها ما يجرى على الحرف المفرد من إبداله في الوقف ألفا ؛ وذلك قولهم : لأقومن إذا ؛ كما تقول : ضربت زيدا ، ومع النون الخفيفة للواحد : اضربا . فكما أجريت على بعض الحرف ما يجرى على جميعه من القلب ، كذلك أجريت على بعض الفعل - وهو الفاعل - ما يجرى على جميعه من الحكم . ومما أجرى فيه بعض الحرف مجرى جميعه قوله : * فبات منتصبا وما تكردسا " 2 " *
--> ( 1 ) الرجز لغيلان الربعي والبيت الثاني منها في لسان العرب ( ذرع ) ، وتاج العروس ( ذرع ) . والنشيش : صوت الغليان . ( 2 ) الرجز للعجاج في ديوانه 1 / 197 ، وشرح شواهد الإيضاح ص 259 ، ولسان العرب ( كردس ) -